البيئة الاجتماعية التي يسودها القمع
والتسلط تزرع الخوف الاجتماعي في أفرادها
بقلم : المصطفى يطو
الحديث عن الخوف الاجتماعي كثير في أيامنا الحاضرة، والاهتمام به يزداد
في ميادين الحياة العامة وميادين الدراسات النفسية، و لا يقف الاهتمام عند حدوده
من حيث كونه ظاهرة نفسية، بل يعدو ذلك إلى دوره في عدد من أشكال الاضطراب النفسي، فهو
عبارة عن مخاوف غير مبررة يشعر بها الفرد في مختلف المواقف الاجتماعية التي تفرض
عليه مواجهة الآخرين وأن الكل ينظر إليه " تحت المجهر" ، فيخاف و يظهر عليه الخجل عندما يظن أن الناس تراه
وتسمعه فيصاب بالرعشة والارتباك و احمرار الوجه و زيادة دقات القلب، التلعثم في
الكلام وجفاف الحلق . فمن الطبيعي أن يشعر معظم الناس بالقلق والخوف العادي الفسيولوجي الذي من
شأنه أن يحفز المرء على الإتقان والحرص والاستعداد ...أما إذا زاد هذا التوتر
والقلق الاجتماعي عن حده، من حيث انه يدفع الشخص إلى تجنب الناس والمواقف ويكون
سببا في إعاقة النشاط الاجتماعي أو المهني أو الدراسي، فيصبح حينئذ خوفا مرضيا
يتوجب علاجه.
و أشير أن التربية
الخاطئة للفرد في المجتمعات التي تقدس الخوف، " حذار أن يراك الناس "،
والصمت بدل الكلام والتربية بالمقارنة "شوف ولد فلان .." والتي يسودها القمع أو تطغى عليها الأبوية والتسلط فينشأ الفرد وهو يراقب
كل حركاته وسكناته، هذه التنشئة الاجتماعية تجعل الإنسان لا يتصرف بكامل الحرية و لا
تكون له الإرادة المطلقة في التصرف والتعبير عن الذات فيكتفي الشخص المريض بإرضاء
الآخرين بعبارات "حاضر" نعم " وبمعنى أدق " تقديم مشاعر
الآخرين على نفسه"، و لكي يتخلص من هذا السلوك المؤلم ويتقي بذلك الإحباط
ويخفض التوتر يلجأ إلى حيلة دفاعية مستمدة من المجتمع "الإيثار" لأنه غير قادر على الرفض، ما
يضطره إلى موافقة الآخرين و التذلل و التنازل لهم، و لو على حساب مشاعره .
إن من يعاني من الفوبيا الاجتماعية لا يستطيع التحكم في مخاوفه التي
تسوقه إلى تجنب ما يخاف، وتدعوه دائمًا لطلب الطمأنة المستمرة من أفراد أسرته الذين
من المفروض فيهم تحفيز المريض وإعادة الثقة إلى نفسه، و التوقف عن اللوم والانتقاد
والسخرية منه حتى نرفع من معنوياته بالثناء عليه وتشجيعه على المواجهة "
الذهاب الى السوق ، الى الحمام ، الخروج مع رفاقه ... لذلك فهؤلاء المرضى
لم يختاروا طواعية الفوبيا تمامًا كعدم اختيار المريض لمرض السكر أو ضغط الدم أو
روماتيزم المفاصل، و لهذا فموقف الأسرة يجب أن يكون مشجعًا ومساعدًا للتغلب على
تلك المخاوف والأعراض المصاحبة لها.
